دبلوماسية الممكن في زمن الاستقطاب: ما الذي يمكن أن تقدمه قيادة أممية جديدة؟

في نظام دولي يميل فيه الميزان بين التوافق والمواجهة نحو الاتجاه الخاطئ، لم تعد الأمم المتحدة تعاني من نقص في التقارير أو الخطابات، بل من تآكل القدرة على تحويل الخلاف إلى خطوات عملية. هناك اليوم نزاعات أكثر مما شهدته المنظمة منذ تأسيسها والمساعدات الإنمائية التي عرفتها العقود الثلاثة الماضية لن تعود بشكلها المألوف. في هذا السياق، يصبح السؤال الذي يطرحه اختيار الأمين العام المقبل أكثر حدة مما يبدو وهو : هل نحتاج إلى قيادة تكتفي بإدارة المنظمة، أم إلى من يعيد تعريف دورها بوصفها فاعلاً لا مشاهداً للأزمات؟ لانا نسيبة التي أمضت أكثر من أحد عشر عاماً مندوبة دائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة، وترأست مجلس الأمن مرتين خلال عضوية بلادها المنتخبة، تقدّم إجابة عملية على هذا السؤال. تقول في رؤيتها إن «الأمم المتحدة لم تُنشأ كي تتفق مع العالم وإنما لمساعدة العالم على التوافق» وتضيف، في تصريحات متكررة، أن الأمين العام يجب أن يكون فاعلاً لا مجرد مشاهد لأزمات العالم وأن عدم المحاولة سيكون علامة على الفشل هي لا تدّعي القدرة على فرض الاتفاق على القوى الكبرى، لكنها ترى أن المنصب، إذا أُدير بثقة واستقلال، يملك قوة مختلفة: تقديم الأدلة، بلورة الخيارات، وفتح الأبواب حين تتوافر فرصة للحوار. هذه المقاربة ليست نظرية ففي ديسمبر 2023، خلال عضوية الإمارات في مجلس الأمن، قادت نسيبة مفاوضات أدت إلى اعتماد القرار 2720 بشأن غزة، الذي مهّد لتعيين منسق أممي رفيع للشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار وإنشاء آلية لتسهيل المساعدات. جاءت الخطوة بعد مفاوضات شاقة في مجلس منقسم، ولم تنهِ الأزمة، لكنها أظهرت أن صياغة مساحة مشتركة تظل ممكنة. تقول نسيبة إنها شاهدت خصوماً يتفقون على إطلاق أسرى، ودولاً متحاربة تتوافق على ممرات للغذاء والدواء، ومجلساً منقسماً يتحدث بصوت واحد بكلمات لم يسبق له أن استخدمها. من هنا تأتي فكرتها عن "الاتفاقات الأولى" اي هدنة محلية، أو تبادل أسرى، أو ممر إنساني وهذه الخطوات في رؤيتها، لا تحل النزاعات الكبرى، لكنها تخفف المعاناة وتختبر قدرة الأطراف على الالتزام، وتمهّد لمسارات أوسع. تدرك نسيبة حدود