الإعلام.. من صناعة الوعي إلى صناعة المشاهدات
بغداد اليوم - مقال كتب مهند محمود شوقي كانت صدمة لي عندما تحدثت مع شخصية إعلامية عن بعض ما يقدم على الشاشة، وعن ضرورة الارتقاء بالعمل الإعلامي نحو تعزيز الأفكار، بدءاً من اختيار الشخوص، ونوعية ما يقدم، وطريقة صناعة المادة التي يجب أن تطرح على الجمهور. أمور تبدو بديهية جداً لمن يريد الوصول إلى إعلام حقيقي، إعلام يحترم عقل المتلقي قبل أن يبحث عن عدد المتابعين. جلست أتحدث، بينما كنت في الحقيقة أسمع صوتي وحدي. كانت الشخصية الإعلامية تقلب أمامي ترندات يوتيوب، وتعرض لي ما حققته مقدمة من مشاهدات، وما حققه برنامج آخر من حضور، وكأن الأرقام وحدها أصبحت الدليل النهائي على نجاح العمل الإعلامي. ثم التفتت إليّ وقالت بكل بساطة: «يا مهند، نحن في زمن السرعة والانتشار. دعك من الحديث عن النوع، اليوم الكم هو الأساس». كانت صدمة لي بألف سيف. فالإعلام، في جوهره، لم يولد ليكون مجرد آلة لجمع المشاهدات. وظيفته الأعمق أن يخبر الناس بما يحدث، ويفسر لهم ما وراء الحدث، ويضع أمامهم الأفكار والتجارب والنماذج التي تساعدهم على فهم العالم من حولهم. أما المشاهدة فهي وسيلة لقياس الوصول، وليست شهادة على قيمة المحتوى. لكن شيئاً تغير تدريجياً. قبل أن يصبح «الترند» مفردة يومية في حياتنا، كانت الأخبار والمواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام تنشغل، رغم اختلاف مستوياتها، بقضايا من نوع آخر: اعتقالات، حروب، تفجيرات، اغتيالات، فساد، اختلاسات، احتجاجات وأزمات سياسية. كان الخبر هو نقطة البداية، وكانت قيمة المادة مرتبطة بأهميتها وتأثيرها وما تحمله من معلومات. ثم دخلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى المشهد، وتغيرت المعادلة شيئاً فشيئاً. بدأ يوتيوب يأخذ موقعاً متقدماً في صناعة الفيديو، ثم جاءت منصات مثل إنستغرام، وبعدها انفجرت منصات الفيديو القصير، وصولاً إلى تيك توك، وأصبح بإمكان مقطع مدته ثوانٍ أن يصل إلى ملايين الأشخاص. لم يعد السؤال فقط: ما الذي يستحق أن يعرفه الناس؟ ظهر سؤال آخر أكثر إغراءً للمؤسسات الإعلامية: ما الذي سيشاهده الناس أكثر؟ ومن هنا بدأ الانحراف. في البداية كانت المشاهدات مؤشراً على الانتشار، ثم أصبحت معياراً ل
لماذا يهم هذا الخبر؟
سيظهر الملخص التحليلي هنا بعد اكتمال معالجة الذكاء الاصطناعي.
سياق الخبر
بغداد اليوم - مقال كتب مهند محمود شوقي كانت صدمة لي عندما تحدثت مع شخصية إعلامية عن بعض ما يقدم على الشاشة، وعن ضرورة الارتقاء بالعمل الإعلامي نحو تعزيز الأفكار، بدءاً من اختيار الشخوص، ونوعية ما يقدم، وطريقة صناعة المادة التي يجب أن تطرح على الجمهور. أمور تبدو بديهية جداً لمن يريد الوصول إلى إعلام حقيقي، إعلام يحترم عقل المتلقي قبل أن يبحث عن عدد المتابعين. جلست أتحدث، بينما كنت في الحقيقة أسمع صوتي وحدي. كانت الشخصية الإعلامية تقلب أمامي ترندات يوتيوب، وتعرض لي ما حققته مقدمة من مشاهدات، وما حققه برنامج آخر من حضور، وكأن الأرقام وحدها أصبحت الدليل النهائي على نجاح العمل الإعلامي. ثم التفتت إليّ وقالت بكل بساطة: «يا مهند، نحن في زمن السرعة والانتشار. دعك من الحديث عن النوع، اليوم الكم هو الأساس». كانت صدمة لي بألف سيف. فالإعلام، في جوهره، لم يولد ليكون مجرد آلة لجمع المشاهدات. وظيفته الأعمق أن يخبر الناس بما يحدث، ويفسر لهم ما وراء الحدث، ويضع أمامهم الأفكار والتجارب والنماذج التي تساعدهم على فهم العالم من حولهم. أما المشاهدة فهي وسيلة لقياس الوصول، وليست شهادة على قيمة المحتوى. لكن شيئاً تغير تدريجياً. قبل أن يصبح «الترند» مفردة يومية في حياتنا، كانت الأخبار والمواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام تنشغل، رغم اختلاف مستوياتها، بقضايا من نوع آخر: اعتقالات، حروب، تفجيرات، اغتيالات، فساد، اختلاسات، احتجاجات وأزمات سياسية. كان الخبر هو نقطة البداية، وكانت قيمة المادة مرتبطة بأهميتها وتأثيرها وما تحمله من معلومات. ثم دخلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى المشهد، وتغيرت المعادلة شيئاً فشيئاً. بدأ يوتيوب يأخذ موقعاً متقدماً في صناعة الفيديو، ثم جاءت منصات مثل إنستغرام، وبعدها انفجرت منصات الفيديو القصير، وصولاً إلى تيك توك، وأصبح بإمكان مقطع مدته ثوانٍ أن يصل إلى ملايين الأشخاص. لم يعد السؤال فقط: ما الذي يستحق أن يعرفه الناس؟ ظهر سؤال آخر أكثر إغراءً للمؤسسات الإعلامية: ما الذي سيشاهده الناس أكثر؟ ومن هنا بدأ الانحراف. في البداية كانت المشاهدات مؤشراً على الانتشار، ثم أصبحت معياراً ل
فتح الخبر الأصلي